ابن قيم الجوزية
259
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
جريج : أمر أن يذكره في الصدر بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت أو الصياح . وقد تقدم حديث أبي موسى : « كنا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال : يا أيها الناس ، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » . وتأمل كيف قال في آية الذكر : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وفي آية الدعاء : 7 : 55 ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً فذكر التضرع فيهما معا . وهو التذلل والتمسكن والانكسار ، وهو روح الذكر والدعاء . وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها . وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف ، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد . فمن أكثر من ذكر اللّه أثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم تقرن بالخوف ، فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره . لأنها توجب الإدلال والانبساط ، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات وقالوا : المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على اللّه ومحبته له وتألهه له . فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل . ولقد حدثني رجل أنه أنكر على رجل من هؤلاء خلوة له ترك فيها حضور الجمعة فقال له الشيخ : أليس الفقهاء يقولون إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط عنه ؟ فقال له بلى . فقال له فقلب المريد أعز عليه من ضياع عشرة دراهم ، أو كما قال . وهو إذا خرج ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه . فقال له : هذا غرور بل الواجب عليه الخروج إلى أمر اللّه وحفظ قلبه مع اللّه . فالشيخ المربي العارف يأمر المريد بأن يخرج إلى الأمر ويراعي حفظ قلبه ، أو كما قال . فتأمل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام ، جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كانسلاخ الحية من قشرها ، وهو يظن أنه من خاصة الخاصة . وسبب هذا عدم اقتران الخوف من